الحكاية على لسان الحيوان فى كتابات الدكتور الشاعر محمد شتا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بقلم الأستاذ الكبير / أحمد وليد الروح:ــ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ظهرت الحكاية على لسان الحيوان قديما إذ نجد بعض الحكايات المصرية القديمة أبطالها حيوانات يرجع تاريخها إلى القرن الثاني عشر قبل الميلاد ، مثل قصة (السبع و الفأر) التي وجدت مكتوبة على إحدى أوراق البردي بمصر، كما عرف هذا النوع من الأدب عند قدماء اليونان ، و كان دا شهرة واسعة أيام أرسطو ، و قيل إن (بابريوس) نظم 123 حكاية شعرية على ألسنة الطير والحيوان .
ثم انتقل هذا اللون الأدبي من اليونان إلى الأدب الروماني، فالشاعر اللاتيني (هوراس) كتب العديد من الحكايات على ألسنة الحيوان مقتفيًا بذلك أثر اليونان، مع ما كان له من اتجاه أصيل يتفرد به، وكما ازدهر هذا اللون في الغرب الأوروبي فإننا نجده أيضا قد برز في بلاد الشرق، فيقال إن بلاد الهند سبقت اليونان في الحكاية على ألسنة الطير والحيوان( 1 )
فمنذ أقدم العصور و قصص الحيوانات تحتل مكانة مرموقة في الأدب العالَمي ، و نذكر على سبيل المثال قصص الشاعر الفرنسي جون دي لافونتين Jean de la Fantaine الذي ارتبط اسمه بالعديد من الحكايات و هي عبارة عن أشعار تحكي قصص بالإضافة إلى أنها مسلية و هادفة فهي تتميز بالمتعة و الحكمة كما يحلو له تسميتها ” خرافة ” أو « les fables »
مثل “الصرصور و النملة “، و “الأسد والفأر” ، وغيرها و قد أفصح جون دي لافونتين عن نظريته في الخرافة في مقدّمة مجموعاته الأولى التّي نشرها سنة 1668 م حيث يشرح فيها معنى الخرافة فيقول : ” إنّ الخرافة تتكوّن من جزئين يمكن تسمية أحدهما “الجسم” والآخر “الرّوح”، الجسم هو الحكاية ، والرّوح هي المغزى أو درس أخلاقي ” ( 2 )
و قد استطاع لافونتين أن يسمو بهذا النّوع الأدبيّ عاليا في سماء الأدب ، فلم تعد الخرافة حكاية تغلّف مغزى أو درسا أخلاقيّا فقط بل أصبحت حقلا للتّأمّل الفلسفيّ و النّقاش العلميّ لكنه لم يكن الأول في إنطاق الحيوانات فقد سبقه الكاتب الإغريقي إيسوب (إيسوب – 620/ 564 ق.م.) الذي طوّر الحكاية الشعبية لتكون أداة من أدوات التعليق السياسي و الاجتماعي و إشتهر بحكاياته العديدة على ألسنة الحيوان ذات مغازٍ أخلاقية و سياسية واضحة. و كان من أشهر الشخصيَّات التي نُسِبت إليها المئاتُ من قصص الحيوان ، و نسبت له أيضا مئات الحكايات التي كانت موجودةً قبل عصره . و في الأدب العربي نجد ” كليلة و دمنة ” فهي قصص تؤسس للحكمة و الحدس الشعبي و الفطرة . و يُنسَب نقْلُ ” كليلة و دمنة ” عن الهنديَّة أو الفارسيَّة إلى “عبدالله بن المقفَّع” في القرن الثاني الهجري/ الثامن الميلادي . و أصل الكتاب كما يقال يرجع لبيدبا الفيلسوف والحكيم الهندي، الذي كتب مجموعة قصص في الحكمة والأخلاق أبطالها حيوانات وجمعها في كتاب أسماه ” كليلة و دمنة ” ، و بيدبا كتب هذا الكتاب تنفيذاً لرغبة ملك هندي اسمة دبشليم الذي أراد أن يكون له كتاب قيم تتناقله الأجيال وتتحدث عنه. و الأمر كله يتلخص في عزم الفيلسوف و صبره على تحمل حماقات الحاكم الظالم و رغباته ، حتى نجح في تحقيق هدفه النبيل . و قام “برزويه” طبيب كسرى “أنوشروان” بسرقة الكتاب سرا في القرن السادس الميلادي بأمرٍ من كسرى و ترجمه إلى الفارسية و زاد عليه فصولاً حتى وصلت نسخة منه إلى الأديب عبدالله بن المقفع الذي قام بترجمته بدوره إلى العربية و زاد عليه فصولاً من عنده ، هذا مختصر قصة هذا الكتاب العجيب . و مهما قيل عن أصل الكتاب إلا أن الباحثين لم يوفقوا في العثور على نسخة هندية أو فارسية لهذا الكتاب ، (لم يُوّفق الباحثون منذ عصر ابن المقفّع حتى اليوم إلى العثور على نسخةٍ واحدةٍ هنديةٍ منه ، ولا حتى على النسخة الفارسية التي تُرجمت في ذلك الوقت إلى العربية مما يثير هنا بعض الأسئلة : هل ضاعت هذه النسخ الهندية والفارسية ؟ و إذا كان ابن المقفع وجد نسخة منها ألا يستطيع غيره أن يجد مثلها ؟ و كيف عرف المترجم كلّ هذه المعلومات عن “بيدبا”، و كذلك حديث الإسكندر مع ملك الهند عندما علّل تأليف الفيلسوف الهندي الكتابَ لملكه ، و العجيب أن ابن المقفع جعل المقدمة على لسان رجل سماه علي بن الشاه ؟! و هناك غيرها من الأسئلة و ليس هناك من جوابٍ صحيحٍ لها ، إلا أنّ هذا الكتاب ألّفه خيالٌ عبقريٌّ من لغويٍّ بليغٍ و هو عبدالله ابن المقفع نفسه . ولكنه خاف على نفسه من القتل فكتبه على ألسنة الحيوانات واخترع قصة انتقاله من الهند إلى فارس ليبعد التهمة عنه، و إني لأشعر كلّما قرأت “كليلة و دمنة” بأنه يصور أناسًا يعرفهم في وقته فجعلهم في صور الحيوانات لكي ينقذ نفسه من ظلمهم ، و لهذا قال “ابن خلّكان” و قدّم : “إنّ ابن المقفَّع هو الذي وضع كتاب “كليلة و دمنة”، و قيل : إنه لم يضعه و إنما كان باللغة الفارسية فعرّبه “. هذا والله أعلم ) ( 3 ) . لكن التعريف بالكتاب و من كتبه ليس موضوعنا الآن فموضوعنا هو التطرق لقصص الحيوان أو ما يسمى بأدب الخرافة كما جاء على لسان لافونتين . و الخرافة في اللغة تعني الكلام المستملح المكذوب لهذا يقال هذه حكاية خرافية و في الأدب تعتبر أسطورة أو قصّة قصيرة ذات مغزًى أخلاقيّ غالبًا ما يكون أشخاصها حيوانات أو جمادات ، فهي فنّ قصصي خُرافي ذو مَغْزًى يُمثِّل الحيوانات كشخصيّات رئيسيّة في القصّة ولكن بصفات إنسانيّة . أما الحكاية على لسان الحيوان فلها دائما طابع أخلاقي و تعليمي بالدرجة الأولى .
ولعل أهم ملاحظة يلاحظها القارئ في قصص الحيوان بطش الملك بالرعية و هذا ما دفع كل الأدباء تقريبا للكتابة على لسان الحيوان فعبر العصور نجد الظلم و البطش و الإستبداد فلا يمكن لأي أديب أن يبدي رأيه أو يظهر حقيقة الأمور و ما ينطوي عليه الواقع الأليم إلا بحكاية مغلفة في جلد حيوان و كل هذه الحكايات تكتب وفق نهج قويم إذا فهمه الحاكم و اتبعه تيسر له حكم بلاده وفق ميزان العدل و الرحمة و استطاع أن يوفر لرعيته الرخاء و الخير والسعادة .
و من المعروف أن الحكاية على لسان الحيوانات تقوم بالتعبير عن شخصيات أخرى إنسانية عن طريق المقابلة و المناظرة ، و تعبر عن أحداث و وقائع بإستخدام الرمز . كما فعل لافونتين و غيره من الشعراء فالشخصيات الرمزية في حكاياتهم تكون كالقناع الشفاف للإظهار الشخصيات الحقيقية . مثل ( جنة الحيوان ) للأديب طه حسين و هو كتاب يتكون من 146 صفحة نشره سنة 1950 فطه حسين استعمل الحيوانات للتعبير عن الإنسان و أفعاله فكان غرض الكتاب سياسيا أكثر منه حكمة و موعظة . و مثله من الأدباء و الشعراء كثيرون مثل أحمد شوقي و قد سبقه في ذلك الشاعر محمد عثمان جلال الذي ترجم حكايات لافونتين المنظومة على لسان الحيوان قبل ميلاد شوقي بحوالي خمسة عشر عاماً و سماه ( العيون اليواقظ في الأمثال و المواعظ ) ( 1245 ه ــ 1828م ) فكانت الحكاية على لسان الحيوان وسيلة للتعبير عن آراء الأدباء و الشعراء الرافضين للظلم فجعلوها قناعاً يُلبسونه لأبطالهم حتى يتمكنوا من إبداء رفضهم و إعلان آرائهم صراحة .
هكذا و بعجالة حاولنا إلقاء الضوء على تاريخ الحكاية لمعرفة مدى تأثر شاعرنا محمد شتا بفن الحكاية على لسان الحيوان و مدى إبداعه في كتابتها . هذا الشاعر الذي نجد له العديد من القصائد أبطالها حيوانات إلا أنه على عكس الأدباء و الشعراء لم يلبس حكاياته قناع الحيوان خوفا من بطش أبطالها الحقيقيين بل كتبها للموعظة و في بعض الأحيان للترفيه فهو عندما يوجه كلامه لمخاطبيه بذكر أسمائهم معلنا عنها مجاهرة دون خوف أوتردد و هذا ما نلمسه في قصيدة ” الدخول إلى حلب ” و أيضا قصيدة ” الأمم المتحدة وبانكى مون ” و سوف نشير إلى مطلع كل من القصيدين لأننا لسنا بصدد دراسة هذا النوع من القصائد الآن . فقصيدة ” الدخول إلى حلب ” مطلعها كالآتي :
قـدَّمَ الشيطـانُ الرجيـــــم لِبشَّــار طَلَب ***بأن يسمح لـهُ بالدخول إلى حلب
و قصيدة ” الأمم المتحدة و بانكي مون ” يبدأها بهذا البيت :
أيُّها السيد المُحترَم المُبَجَّل بانكى مون ***لمـاذا جعلت الحنظلَ برتقـالاً وليمـون
و له مثل هذه القصائد الكثير يجاهر فيها بالأسماء دون خوف أو تردد و دون احتساب المشاكل التي سيقع فيها من جراء ذلك .
أما إذا عدنا لأدب الحكاية موضوع دراستنا فنجد للشاعر محمد شتا الكثير من القصائد على ألسنة الحيوان مثل قصيدة “الثعلب والموت الزؤام” و قصيدة ” لمّا حلَّ على الدنيا الظلام ” و قصيدة ” الأسد والثعلب والحمار ” و قصيدة ” حُسنُ النيةِ يعصِفُ بالأرانبِ ” و قصيدة ” غرابٌ فتن ببَّغاءَ وأغواها ” و غيرهم من القصائد الكثير .
و هذه القصائد كل مواضيعها من الخيال الهادف الذي يبثُّ في النفس الكثير من المعاني و العظات والقيم الأخلاقية .
أما إذا عدنا إلى قصيدة ” الثعلب و الموت الزؤام “فأحداثها “القصيدة” عبارةٌ عن قصَّة محاولةٍ فاشلة من الثعلب الذي حاول أن يكون حاميا أو حارسا للأرانب فهو بالليل يهاجمها و يأكلها و بالنهار يلقي عليها التحية و يرفع راية السلام و الثعلب معروف بالمكر و الخداع ، فكل القصيدة جاءت على لسان الثعلب محدثا الأرانب بلغة لا تخلو من تهديد و وعيد محذرا إياهم أنهم إن لم يرضوا باقتراحه سوف يعم الخراب محاولا خداعهم ليملكوه أمرهم و يجعلوه حاميا لهم و حارسا فيقضي عليهم جميعا واحدا تلو الآخر و هذا بالضبط ما نجده بواقعنا ، الدول العظمى تأكل الدول الضعيفة أو الفقيرة و هي بالأصل من أفقرها بنهب خيراتها عهد الإستعمار و الآن يفرض عليها الحماية أو ينصب نفسه حاكما ليبث في قضاياها فيجرمها كيف يشاء و يحكم عليها بما يشاء و العاقل من يفهم هذه السياسة و يأخد العبرة من التاريخ ليعي جيدا ما سينتظره مستقبلا إن صدق كل ما يقال و وثق بمن ليس أهلا للثقة و هذا ما فعله الأرنب بآخر الحكاية الذي وصف تصديق الأرانب للثعلب بالجنون و الإنتحار بل الإنتقام من أنفسهم . و هذه هي العبرة التي يجب على شبابنا الذي يمثل الجيل الواعد أخدها من هذه القصيدة التي يقول فيها محمد شتا :
بالنهـارِ جاءَ الثعلبُ إلــى الأرانبِ رافعـاً راية السلام
……………………..وبالليل هو مُن يُهاجمهم ويسطو عليهم والناسُ نِيام
بل هومَن قتل بعضهم فجعل مِنهم الثكالى والأيتام
……………………..والأن للخِداعِ يُعطى التحيةَ لوليدٍ مِنهم مابلغ الفطام
ثُمَّ وقفَ غيرَ بعيدٍ وبعد مـا حيَّاهم بدأ حديثهُ والكلام
……………………….قائلاً إخوانـــى الأرانب المحترمون الشرفاءُ العِظام
تعلمون أنَّ الظروفُ تبدَّلت مِــــن حولنا وتغيَّرت الأيَّام
…………………………وأصبحت الذِئابُ كلاباً وأمست الصقـــورُ كالحمام
ومُحَدِّثكُم يَمُدُ يَـدَهُ إليكـم راجياً صفحاً وراضياً بأحكام
………………………….ويُحذِّركُم مِن خلافٍ لا يأتى إلَّا بخرابٍ وموتٍ زؤام
ولتهنأوا بالعيشِ الكريمِ عليكم الخضوع والإستسلام
……………………..وتعيينى حارسـاً علــــي جُحُورِكُـم وتسليمى الزِمـام
قال أرنبٌ إن رضينا بكَ حاميا فهـذا بحق هـو الفصام
………………………هـو الجنون هـو الإنتحارُ بل هـو مِـن أنفسنا الإنتقام
استطاع الشاعر من خلال قصائده أن يعبرعن آفكاره و آرائه و تصوراته السياسية و الفكرية ، فنجده دائما يتحدث عن معاناة الشعوب العربية عامة و الشعب المصري خاصة ، فهو لسان حال الشعوب و ما تكابده فأضحت القصيدة متكأه الوحيد للتعبير عن كل ما يراه و يحس به بل و يعيشه داخل وطنه أو ما يراه من ظلم و تسلط بالأوطان العربية .
و في قصيدة ” نمور ” نجده يعبر عن أي حاكم متجبر و سلطوي أخد السلطة بالقوة و العنف و حكم أيضا بالقوة و الظلم و التسلط .
النُّمُــــــــــــــــــــــور
لمّا سيطرت علــــــى الغابة النمور
……………………………..وبلا منازع لهــا دانت كُلُ الأمور
قـــــال النَّمِــــــرُ المًنتصرُ المشهور
……………………………تعلمون كم بى مِن خِسةٍ وشرور
وأنَّ كُل مِن صارعنى رددته مقهور
…………………………..وأنى أقتل فرائسى فى ظلامٍ ونور
ولاأخشى تمساحَ نهرٍ ولاحوتَ بحور
…………………………….ولا أخاف مِن صقورٍ أوحتى نسور
وتعلمون أنِّـــــى أسكنتُ الأسدَ القبور
………………………….ثُمَّ جلست فى عرينهِ محاطاً بالزهور
إذاً فليستمِع الغائبون منكم والحضور
…………………………..أنَّهُ مَن يَشِذ عَن أمرى منكم أو يثور
قتلتهُ أو حطَّمت رأسُهُ على الصخور
…………………….حتى لو لم أكُن فى حاجةٍ للحمهِ بالفطور
لقد أبدع الشاعر في هذا اللون الأدبي الجميل و أجاد بعد جيل الشعراء القدامى مثل كامل كيلاني و أحمد شوقي و إبراهيم شعراوي بصياغته لكثير من القصص على لسان الحيوان بأشعار جميلة و قوافي محكمة و قصص تربوية على ألسنة الحيوان … فهو غالبا ما يوظف في أشعاره لغة سهلة متداولة يركز فيها على الحقل الدلالي الخاص بالطبيعة ( غابة ، عرين ، أشجار ، برسيم ، شعير ،فول ، ثمار ، يابسة ، بحار … ) والحقل الدال على الزمان ( الليل ، الظلام ، يوم … ) و العلاقة بين الحقلين وثيقة نظرا لتضافر الطبيعة مع الزمان للتحكم في مصير الإنسان . كما أن الشاعر اعتمد على مجموعة من الوسائل المستحدثة لبناء الصورة الشعرية التي كان الغرض منها التعبير عن رؤياه الشخصية و تجربته الخاصة ، لهذا ألبس قصائده قناع الحيوان فكانت وسيلته في إغناء النص وجعل مضامينه قابلة للتوسع بفضل التأويل . فالشاعر لم يتخد من الحيوان رمزاً لنقد الظروف السياسية في الأمة العربية خوفا من حكامها بل لأن الأشعار على لسان الحيوان يحفظها الناس بسرعة لسهولتها و رشاقة ألفاظها ، حيث يسرد قصصه في شكل شعر مرسل لا تقيده قيود ، مع العناية بالتصوير الفني القريب من التصوير المسرحي ، و هذا النوع من الأدب محبب للناس كبارا و صغارا و من السهل انتقاله من بلد لآخر في قالب فن حكاية يحكيها الناس و يصغون إليها يزيدون عليها و ينقصون و يستنبطون منها العظة و الحكمة و المغزى من سردها فتدخل باب التراث الإنساني الذي لا وطن له.
أما إذا عدنا إلى الشخصيات المرموزة في قصائد محمد شتا نجد الثعلب و هو رمز الإنسان المخادع الماكرالذي يسعى جاهدا لتحقيق هدفه و مسعاه و الحصول على مبتغاه بشتى الطرق الملتوية .
الأسد و هو الملك و الحاكم السلطوي الذي يقرر الأحكام دون رحمة و لا رأفة و يخضع له الكل دون مناقشة و لا حوار و أحكامه غير قابلة للنقاش لكن بطانته من الذين يلتفون حول عرشه يسايرونه و يحصلون على كل ما يتمتع به هو كملك من سلطة و جاه و نعيم سواء بالحيلة أو المسايرة و إن تعارضت المصالح إنقلبوا عليه و فتكوا به .
النمور هي حاشية الملك و تمثل سلطة القوة من كبار الجند أو العسكر لها نفس قوة الأسد ( الملك ) و تتمتع بنفس السلطة و المكانة تفعل ما تريد دون رادع و إن عارضها الأسد انقلبت عليه .
أما الأرانب و الحمام و الأغنام و الحمير … فهم الرعية و هم طبقة الشعب الضعيفة التي بلا حول و لا قوة يفعل بها الراعي و أعوانه ما يشاء و لها عليه حكم الطاعة و الإنقياد بلا مناقشة و هي ترمز للعامة من الناس فمنهم الذكي الذي يحاول بحيله أخد و لو القليل من قسمة الأسد و رعيته و منهم الغبي الذي يمارس عليه الظلم و يكون دائما الضحية .
و بالمقابل نجد الجوارح ( صقور و نسور ) و طيور ( الغربان ) و الحيوانات المفترسة ( ذئاب ، ضباع … ) المنتفعين والمستفيدين والمتعاونين مع المفسدين الذين ينهبون ثروات و خيرات البلاد . مستعملين تارة القوة و أخرى الحيل و الألاعيب الشيء الذي نراه بواقعنا و نلمسه بحياتنا اليومية و كل هذه الصفات فطرية تنطوي عليها النفس البشرية العاقلة ألبسها الشاعر لغير العاقلة و أنطقها ليأخد منها الإنسان الواعي و العاقل العبرة و الموعظة . فعندما تصاغ مثل هذه القصص الواعظة على لسان الحيوان و تضم كل هذه الحيل و الألاعيب الكثيرة المستخدمة في مجتمع بهائمي غير عاقل فهي تبعث على التسلية و المرح و تحدث في النفس العاقلة الإندهاش و الرغبة في التعلم و أخد العبرة وهذا هو المراد المباشر الذي أراده الشاعر من كتابتها .
فالشاعر يضرب لنا الأمثلة لتأكيد وجود الشر الذي يلبس ثوب الخير و فتح أعين الناس على مجموعة الحيل و الوسائل التي يستعملها الأشرار في مجتمعات عظمى لتدمير و نهب خيرات المجتمعات الضعيفة ( الأمة العربية | إسرائيل و حلفاؤها ) و هي تحيك سلسلة شر لا تنتهي تلفّ خيوطها بطريقة عنكبوتية على المجتمعات العربية الإسلامية و أيضا ما يحدث داخل كل مجتمع عربي من ظلم على يد قلة قليلة من حاكميه السلطويون الذين غالبا ما يستعينون بسلطة الغير ( أمريكا ممثلة في الأمم المتحدة و حلفاؤها ) لقهر الشعب و حكمه بالقوة و الجبروت . و هذه هي الفكرة التي يحاول الشاعر إيصالها للناس فيحاول إظهار خباياها و بواطنها و يوضح كيف تُحاك خيوطها و تنفذ وقائعها بكل دقة و حذاقة ، فالقصص تعلن عن الفكرة السيئة كيف يُفكّر فيها العقل و يُنفِّذها بتدبيره المحكم و حيلته المتقنة ، و يضَع لها الأسس و النِّهايات كما يَراها هو مقدَّمًا ، مهما كانت سيئة أو حملت من شرور المهم هو النتيجة و هي الوصول للهدف المنشود أو المراد و هو في مجمله يتلخص في : ( القضاء على الإسلام و المسلمين و العرب معا ) و هذا هو التخطيط العقلي الذي من أجله وُجد الإرهاب كوسيلة للقضاء على الإسلام فهم حين يحاربونه لا يحاربون سوى إرهابا صنعوه بأيديهم ليتسنى لهم محاكمة العرب المسلمين و القضاء عليهم و العاقل من يفطن لهذا التخطيط و يفتح عينه لمعرفة الحقيقة .
و هذه نماذج من قصائد للشاعر محمد شتا أبطالها حيوانات :
لمّا حلَّ على الدنيا الظلام
لمَّا جاءَ الليلُ البهيم وحل على الدنيا الظلام
…………………….قامت الصقورُ والغربان بالإعتداءِ علــى الحمام
وتسللت الذِّئابُ إلى حظيرةِ المعيزِ والأغنام
………………….وجائت الثعالـبُ تريـدُ مِـــن الديكِ المُـزعج انتقام
وتقدَّمَ الأسدُ زمرتَهُ الملكية باحثا عن الطعام
………………….والنمِرُ جاءَ مُنفَرِداً فهو مع الكُل فى عداءٍ وخِصام
ومِن خلفهم جاءت ضباعٌ شرِسةُ مُتسَوِّلةٌ لئام
………………..لتسطوا على فرائسِ غيرها أوتخطف حتى العِظام
لايعنيها إن كان هذا حلالٌ طيِّب أوكان حرام
…………………..وهــى لاتترك شيئاً أتت عليه إلَّا جعلته كالحطام
فهل علــى جوارِحٍ معتديةٍ قاسيةٍ يكون الملام
………………أم أنَّ اللوم على الفريسة فى خنوعها والإستسلام
وهل ستتوبُ الجوارحُ عن قتلٍ وعنه يتم فطام
……………….أم ستبقى علـــى ما تعلَّمتهُ مِن أبائها على الدوام
الأسد والثعلب والحمار
قــال الأســدُ للثعلب يـاذا الدهـاءِ يا أيهـا المكَّـار
………………………هيَّا أرنى مقدرتك واحضِر لــى بقرةً أوحِمار
واعلم أنَّ هـذا أمرٌ واجبٌ عليك مالك فيـه خِيار
…………………….فإمَّا رأس الحِمار أو رأسك ياذا الحِيَل والأفكار
فذهب الثعلبُ إلـــى الحِمارِ وكـان راقداً بالجِوار
……………………قائلاً تحيَّاتى ياذا الرأسِ الكبيرِ وحوافرٍ كالأبقار
انتبه حبيبى فقد جئتُكَ بالبشارةِ وأحسنِ الأخبار
……………….وهى أنَّ ملكَ الغابةِ لإخلاصك عيَّنك له مُستشار
وبجوارعرينه تــم تجهيز ديواناً لكَ مـن الأشجار
…………………..ومحاطاً ببرسيمٍ وشعيرٍ وفولٍ وكُل أنواع الثمار
ومِن الأن أنت مِـن المقربين ومِن الساسة الكِبار
………………..وستكون لك الكلمة عندما يتشكك الأسد ويحتار
فهيا ياعزيزى كى تتسلَّم مهامك فــى هذه الديار
………………..فتَمَرَّغَ الحِمار فرحاً ثُمَّ لمقرِّه الجديد مُسرعاً سار
فرَحَّب بـــــــهِ الأسدُ كمـا يُرحِّب بالذَّبيحة الجزَّار
…………………فقبضَ بنابيهِ على رقبتهِ فوقع على الأرضِ وخار
فتغدَّى بهِ وما أبقى منهَ إلَّا رأسَهُ وساقيهِ للإفطار
……………..ولمَّا طلبَ الثعلبُ قطعةً أعطاهُ الحوافر وأذن الحمار
قـال الثعلبُ بُورِكت سيِّدى ياصاحِبَ العزَّةِ والفخار
……………..ولاحرمنا الله منك ومِن كرمك ياملك اليابسة والبحار
حُسنُ النيةِ يعصِفُ بالأرانبِ
حُكــــىَ أنَّ الحاكـى حّكىَ حكايةً عــــــن الأرانبَ
………………………..لمَّا اغترَّت ولم تحسب حساباً للنتائجِ والعواقبِ
عندمـــا أرادت فعــــــــل ما تفعل الذِّئابُ بالثعالبِ
………………………..غيرَ مُستعينةٍ بصديقٍ لها أو مُستنجدةٍ بصاحِبِ
وما كان عندها مِـــــن سلاحٍ ٍأوقـوة فـــــى مخالبِ
…………………………وماامتلكت فنونَ حربٍ ومالها فيها مِن مواهبِ
ومااقتنعت أنَّ ماأرادت لا يُنجز بآمــــالٍ أورغائب
…………………….وأنَّ حُسنَ النيةِ لايمنع الشرَّ ولايحمى مِن نوائبِ
فحدثت المواجهةُ وجاءت الثعالبُ مِـن كُل الجوانب
………………………….وأحاطوا بالأرانِبِ مِـن كُل المشارقِ والمَغارِبِ
وأكلوا مِنهُم ماأكلوا وسالت الدِماءُ فــــــــى الزرائبِ
…………………………وتهدَّمت الجحورُ وتحوَّلت العِشش إلى خرائبِ
فهل تعلَّمت أرانبُ اليوم مِن أجدادها ومن المصائبِ
…………………….أم أنَّ الغباءَ سجيةٌ فيها مذ كانت بين صلبِ وترائبِ
غرابٌ فتن ببَّغاءَ وأغواها
باضت ببَّغـاءُ تُــمَّ تركت فِراخهـا لبومـةٍ ترعاها
……………………………..ومااستجابت لمَن قال ارجعى وعن الظُلمِ نهاها
فغوت وضلَّـت وهجـرت عُشَّهـا وخـاب مسعاها
………………………………وما استمعت لمَنْ قال لها إنَّ الفِراخ لِمَنْ ربَّاها
وولاؤها سيكون حتماً لِمِـنْ أطعمها ولِمَـنْ سقاها
……………………………….ولِمَنْ سهرَ عليها ولِمَن ْ مِــــن الأعداءِ حماها
فما أفاقت بل ذهبَت مع مِنْ فتنها وبخبثٍ أغواها
……………………………….غُرابٌ أسودٌ أساءَ معاملتها ثُم بعد فترةٍ رماها
يومها عادت لأفراخِها فما عرفوها ولافهموا لُغاها
……………………………..فقـد علَّمَت البومـةُ الفِراخَ نِسيان مَــــنْ نساها
وقامــوا بطردها فتَذَكَّرت مافعلت فدمعت عيناها
……………………………..فما مِــــن أحدٍ أشفق عليها ولامِن أحدٍ واساها
فهكذا تفعلُ الأنانيةُ بِمَــنْ اتَّخذها طريقا أو تبنَّاها
……………………………وهكذا تفعلُ النَّفسُ بِمَنْ أفسدها عامِداً و دسَّاها
الذئبُ والأسدُ المغرور
لمَّـا أصـاب الكِبَـرُ والعجزُ الأسـد المشهور
………………………….تمرَّدَت عليـهِ الضِبـاعُ والدببـةُ والنمـور
وحدَّدوا إقامَتَهُ بعرينِهِ ومنعوهُ مِـــن الظهور
…………………….وقيلَ هذه هى نهاية كُلُ ظالمٍ فاسدٍ مغرور
فجاءَهُ الذئبُ متسلِلاً بليلٍ عبرَ أنفاقٍ وجحور
……………………وقال له إنَّهُ الحسد أصابكَ وأنا جئتُكَ بالبَخور
فلتطمئن سيـدى فسوف تنصلح غــداً الأمور
……………………..فكلُّ الذِئابُ معك والثعالبُ وتماسيح البحور
وسيعودُ لكَ المُلكُ وستنعـم بالنصـر والسرور
…………………..قال الملك إنى ممنونٌ لكَ ومجهودُكَ مشكور
فلمَّا استقرَّ الأمرُ وعاد الملك لعرشه والقصور
…………………..جاءَهُ الذئبُ آمِلاً فى تكريمٍ مِن صاحِب الدثور
فتنَكَّرَ الأسدُ قائلاً لهُ هل أنت سكرانٌ مخمور
……………………..فتتجرَّأ وتأتى إلى هُنا ولطمَهُ فبات مكسور
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هوامش :
1 ـ انظر الحكاية على لسان الحيوان، سعد ظلام.
2 ـ هلال، محمد غنيمي(2001م): الأدب المقارن، نهضة مصر للطباعة والنشر، القاهرة، ص 155
33 ـ انظر ” كليلة و دمنة من تأليف ابن المقفع أم بيدبا الهندي ؟ ” لجمال بن حويرب المؤرخ و الأديب الإماراتي و المستشار الثقافي في “حكومة دبي” والمدير الإداري لـ”مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم عن كتاب — مع محمد شتا.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق