(حمورابي)
هذا ليس بحثاً علميّاً أكاديمياً، وإنما تذكرة سريعة عن حقبة زمنية معينة من تاريخ الشام والعراق، كي لا ننسى الحضارة العربية وثقافتها التي شنّ عليها الغرب حرباً ضروساً ممنهجة دمر بنيتها، ونهب آثارها، وطمس تاريخها !
إنّ العراق والشام موطناً لأقدم الحضارات في العالم، والأراضي الممتدة بين دجلة والفرات (بلاد الرافدين)، كان لها الجزء الأكبر والأهم من دول الهلال الخصيب التي أقيمت عليه أعظم الإمبراطوريات القديمة كالسومرية والأكادية، والبابلية، والآشورية.
كان المشهد العام بالقرن الثامن عشر قبل الميلاد في بلاد الرافدين منقسم إلى ممالك عديدة وقوية تتنازع فيما بينها، وتتآمر على بعضها البعض كحال دولنا العربية اليوم !!
اعتلى حمورابي عرش مدينة بابل (تقع جنوب بغداد) متمتعاً بشجاعة وذكاء، واستطاع توحيد تلك الممالك كلها، فحارب المدن العمورية القوية المجاورة كمملكة "ماري" على نهر الفرات، وأقام تحالفات مع الممالك الأخرى التي انحازت له فيما بعد وتمكّن من توحيدها، اتسعت مملكته لتضمّ العراق وجزءاً من بلاد الشام وصلت لسواحل البحر الأبيض المتوسط ومناطق أخرى، فكان هو المؤسس الأول للدولة البابلية من أصل عموري.
اختلفت الديانات والعادات والتقاليد بالممالك الموحدة، مما دفع حمورابي لتقنين شرائع الشعوب وسنّها بشريعة واحدة لتصبح دستوراً واحداً يحكم أرجاء الإمبراطورية سُميّ "قانون حمورابي".
حفر شريعته القانونية المؤلفة من 282 مادة
على مسلة حجرية من الديورانت الأسود الشبيه بالبازلت، وأقامها في مدخل مدينة بابل ليقرأها كل قادم غريب قبل دخول المدينة (المسلة الآن معروضة في متحف اللوڤر بباريس)، تحتوي هذه المسلة على مواد قانونية تعالج شؤون النّاس الإقتصادية والإجتماعية والسياسية بدقة متناهية تبين لكل فرد حقه وواجبه !
فَرَضَ بنود القانون على جميع الأقاليم والمدن البابلية وغيرها، وفي كل مرحلة جديدة تتقدم بها الدولة يتمّ تعديل القوانين فيها لتتناسب مع عصرها، كما تفعل الدول العظمى اليوم بتعديل قوانينها !!
كان مجتمع بابل طبقي متباين، طبقة الأحرار، وطبقة نصف الأحرار والعبيد، وكان للمرأة حقوق، وللعبد حقوق، وللحر حقوق، وسُنَّت العقوبات لمخترقيّ القانون، كالسرقة وإتلاف الممتلكات، ووضع حدوداً للقتل والجرائم، وجعَلَ مراقبة وتنفيذ العقوبات على عاتق الحكام المسؤولين عن المدن والأقاليم المختلفة، فكل حاكم مطالب بشؤون إقليمه.
ومن القصاص الإجتماعي في شريعة حمورابي قلعُ العين بالعين، وقلع السن بالسن، وقتل الزاني والزانية، وقطع يد السارق، وقطع يد الولد إن ضرب أباه، وتغريم أهل الحيّ إذا سُرِقَ بيتٌ منهم دون القبض على السارق لتقاعسهم بحمايته !
بلغت الحضارة البابلية أوجها طوال فترة حكم حمورابي، وانتشرت لغتها، وتقدّمت العلوم والفنون والمعارف، وتوسعت الحركة التجارية لإستقرار الحكم في تطبيق القانون بعدالة على كل طبقات الشعب، وسَلَمَت الطرق التجارية من اللصوص، وتمتعت بابل بإستقرار تام جعل حدائقها المعلقة تحفة عجائب الدنيا السبعة !!
مات حمورابي في الستين من عمره، وبقي ملوك بابل يحكمون بدستوره حتى سقوط مدينتهم باجتياح الحثيين القادمين من شمال آسيا الصغرى لبلاد الرافدين والشام.
وفي غزو العراق عام 2003م، استباحت أمريكا مدينة بابل ونهبتها، ثمّ سلمتها لوزارة السياحة العراقية لتكمل العبث بها كيف تشاء.
تعليق:
إذا قارّنا جميع قوانين المجتمعات في القديم والحديث، يبقى قانون المدینة (صحيفة المدينة) التي أمر رسول الله ﷺ بكتابتها هي الأولى والأفضل ومفخرة الحضارة الإسلامية المحمدية، وهي مجدها السياسي والإنساني بتنظيم الحياة الإجتماعية المدنية بين مكونات المجتمع الغير متجانس، والمؤلف من أعراق وقوميات وأديان وثقافات عديدة، كمجتمع المدينة التي كانت ترزح تحت نزاع قَبَلي، وتضم منافقين وكفار وأسياد وعبيد وتجار ومرابين، وتضم موالين الفرس والروم ووثنيين ومشركين، وتضم يهود بمذاهب مختلفة كبني قينُقاع والنظير وقريّظة، وفيها المسلمين، كل هذه الشرائح المجتمعية تعايشت معاً تحت ظلّ دستور المدينة الذي حفظ حقوق المواطنة للجميع.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق