(الأسيرة)
"حوار مع وردة شامية"
فصل الربيع المنصرم...
وأثناء عودتي من سفرٍ طويل تراءت لي حديقة جميلة تميّزت بطول أشجارها وتعدد ألوان ورودها، جلس على أطرافها بعض العائلات، وافترش الآخرون العشب الأخضر بين حوار وصمت وضحك ولعب.
ترجّلتُ من السيارة لعلّي أجد بسحر المناظر الراحة والسرور.
خلوتُ بنفسي بين الزهور مشدود البصر، أتامّلُ ألوانها الجميلة وأشمّ رائحتها العطرة، وكلما وقعَ بصري على زهرة مميّزة انحاز لأجمل منها، وضجّت الأشجار بتغريد الطيور ابتهاجاً بشمس الأصيل.
وبين الزهور ورائحتها، والعصافير وتغريدها، والشمس وأصيلها، فاحَ عطرٌ يتميّزُ عن كل العطور، عطرٌ له حكايات ومواقف تَنَسَّمَتها منذ الصغر، وصوت ناعم رقيق يهمس بعذوبة..اقترب !
تلّفّتُ لأعرف مصدره فوجدتها بعد طول غياب، شعرتُ بنشوة وتلعثمّتُ.. ودار شريط الذكريات يسترجع اللقاءات والرائحة والصوت العذب.
أخرجت بياض وجهها الجميل من المخبأ، مشوباً بمسحة حمراء خفيفة، وتقدمت بقوامٍ ممشوقٍ يستره ثوب داكن أخضر يُزيّنُ جسمها المتمايل النحيل، وشفتيها تُتمّتم:
كُنتُ أعلم أني سأراك !
دنوتُ منها وأحطت وجهها بيديّ وهتفتُ:
كم أنتِ جميلة..يا جورية..لم تتغيري؟!
مالت بخدها تمسحه براحة يدي فطار عطرها مع النسمات نبه الزائرين، لم أكترث لأحدٍ من دهشتي، وتذكرتُ لقاءنا الأخير بدمشق ! فكيف جاءت إلى هنا ؟
أدركت جورية التساؤل بوجهيّ فقالت:
رحلة طويلة سأرويها لك !
جلسنا على مقعدِ مستطيل بين الأعشاب تتعانق فرحتنا بصدفة اللقاء، تنهدَّت وهي تنظر للأفق البعيد حيث خيوط الشمس تتسلل من الغيوم، وهمست كعادتها بصوت خافت:
الغائبُ عن حبيبه يبقى أسيرُ الشوق حتى يراه !
أجبت:
كلمات يهمس بها حنيني إلى دمشق !
قالت:
وطني هناك، وأهلي في كل بيت وحديقة وبستان !
قلت:
ما حكايتك يا جورية ؟
أجابت:
حكايتي تعود إلى القرون الوسطى حيث كان المسلمين منهمكين بصراعاتهم الفقهية، عديمين الشعور بالمسؤولية، وكل فريق يتبعُ حاكماً لمصالحه الشخصية.
وأوروبا تهيّأت واستعدّت وحشدت وسارت بحملاتها الصليبية، تقتل وتذبح وتأسر باسم الصليب ترفعهُ رايةً وشعارا.
قطبَت جورية حاجبيها وتابعت بشفاه مرتعشة:
استمرت حملاتهم قرنين من الزمان تغوص خيولهم بدماء المسلمين، وتجهزُ فرسانهم على من بقي حيّ !
هطلت دمعة ألم من عينها وتابعت:
أسَرَ الصليبيون أجدادي وساقوهم إلى حدائق أوروبا ومزارعها، فتسلل إليهم اليأس والمرض لبعدهم عن هواء الشام وتربتها !
لقد مات الكثير من الورد حزناً وغمّاً، وذَبُلَ الآخرين تَصَلُبَاً من الأسر، وطال هذا العناء بقي القليل حتى جاء جيل منهم استطاع التأقلم مع تراب أوروبا لمزجه بتراب الشام إرضاءاً للورد الجوري.
وبتقارب خصائص التربتين استطاعت الأجيال الجديدة العيش، وأصبحت جزءاً من هذه البلاد !
وأجهشت جورية بالبكاء تقول بصوت متقطّع:
أنا الأسيرة من الجيل الجديد وأحنُّ إلى وطني !!
احتضنّتها ومسحت دموعها وهمستُ بأذنها:
تحرَّرَت الشام يا جورية وطُرِدَ الصليبيون منها، لقد نبذَ المسلمون خلافاتهم وفهموا الدرس وشعروا بالمسؤولية !
ياجورية:
لقد أسقط المسلمون الرايات كلها، ورفعوا راية واحدة ! أنتِ حرّة الآن يا جورية، ولك الفخر أن تحملي جنسية أجنبية من جذور عربية.
فرحت الوردة الجورية بالحرّية وشعرت بالسعادة فاطلقت شذاها ملئ الحديقة بهجة وسرورا وهتفت:
الشام حرة أبية وعلى الأعداء عصيّة !
ودعتها ملوحاً قائلاً:
أنتِ عبق الوطن وتراثه..
أحبُّكِ يا جورية..
سأحكي لدمشق كل شيء..
تمّت قصة "الأسيرة"..
* الوردة الجورية أشهر ورود العالم شكلاً وفوعة وزينة وجمالا، تتمتع بألوان عاطفية جذّابة، تمزج الحب بالأمل، يستخلص عطرها الزيتي ليكون جوهراً أساسياً بأشهر مركبات العطور العالمية وأغلاها ثمناً، جَلَبها الصليبيون قصراً وعنوة من بلاد الشام في عصور الظلام لتبعث المحبة فيهم والأمل، أنجبت الوردة الجورية أجيالاً سكنت حدائق العالم كما يسكن الإنسان السوري العالم اليوم بعد هجرته القصرية !!
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق